
عباس البخاتي
في كل عام، وما إن يطل الثامن من آب، حتى أشعر أن قوانين الطبيعة قد تعطلت، وأن بعض المؤخرات قررت أن تستقيل من وظيفتها البيولوجية لتعتلي المنابر، فتخطب، وتحلل، وتكتب التاريخ من جديد.
فهناك أصوات لا تعرف كيف تنتج فكرة، لكنها تجيد إنتاج الضجيج، حتى تظن أن الهواء امتلأ بروائح لا تُرى، لكنها تُسمع.
ولأن الذباب يمتلك حاسةً خارقة لا تخطئ طريقها إلى الجيف، فإنه لا يزور الحدائق، ولا تحركه رائحة الورد، ولا يغريه العسل. يختفي حيث تكون الحياة، ويظهر كلما انبعثت رائحة جثةٍ قديمة ظن الناس أنهم وارَوها الثرى.
هكذا هو حال بعض أصوات الثامن من آب؛ لا تراها إلا حين يتعلق الأمر بإحياء رفات نظام مات سياسيًا وأخلاقيًا، لكنها تصر على نفخ الروح فيه كل عام.
ما إن تدور عقارب التقويم حتى يخرج علينا نفرٌ من حرّاس المقابر السياسية، يحملون المكانس لا ليكنسوا ركام الماضي، بل لينفضوا الغبار عن تمثالٍ سقط منذ أكثر من عقدين، ثم يبدؤون بطلائه بألوان النصر، لعل الأكاذيب إذا تكررت تحولت إلى حقائق!
يحسبون أن ذاكرة العراقيين قصيرة، وأن الدم إذا جف على الأرصفة فقد نسي أصحابه من أراقه، وأن المقابر الجماعية مجرد إشاعة، وأن السجون كانت مدارس للأخلاق، وأن الحرب التي ابتلعت جيلاً كاملًا لم تكن سوى بطولة قومية تستحق الاحتفال.
ولأنهم لم يجدوا لأنفسهم موطئ قدم في عراق اليوم، قرروا أن يقيموا في متحف الأمس. يلمّعون خوذةً صدئة، ويؤطرون صور الطغيان، ثم يخطبون أمامها كأنهم يخاطبون أمةً لا تزال تعيش في ثمانينيات القرن الماضي.
إنهم لا يتحدثون عن وطن، بل عن جلاد، ولا يدافعون عن فكرة، بل عن سوط، ولا يحنّون إلى دولة، بل إلى زمن كان الإنسان فيه أقل قيمةً من الرصاصة التي تقتله.
وحين تستمع إلى سجالاتهم، تدرك أن العنوان لم يكن مجازًا. فالكلمات لا تخرج من أفواههم بقدر ما تتسرب من مكان آخر؛ من ذاكرةٍ تعفنت حتى اختلطت عليها رائحة الوطن برائحة المقبرة. لذلك لا تسمع خطابًا، بل طنينًا، ولا ترى حجةً، بل ضوضاء. والطنين، مهما ارتفع، لا يصنع حقيقة.
ثم يسألونك، بكل ثقة: أين كانت هيبة العراق؟
فتجيبهم: أفي المقابر الجماعية كانت؟ أم في السجون التي كانت تستقبل الداخلين إليها بأسمائهم وتخرجهم أرقامًا؟ أم في حربٍ امتدت ثماني سنوات لتنتهي بما كان يمكن قبوله في يومها الأول، بعد أن التهمت شباب العراق وأثقلت البلاد بالخراب؟
أم في مغامرة الكويت التي انتهت بجيشٍ يجر أذيال الهزيمة، بينما كانت أجساد الجنود العراقيين تحترق على الطرقات؟
وحين ضاقت الأرض بالطاغية، لم يجد إلا شعبه ليعلن عليه انتصاره الوحيد.
فكان أسدًا على الأعزل، جبارًا على الفقير، شديد البأس على المدن العراقية، وديعًا كلما تعلق الأمر بمن هم أقوى منه.
ولست أزعم أن عراق اليوم بلا أخطاء؛ فما زالت فيه إخفاقات وفساد يستحقان النقد والمحاسبة.
لكن بين عراقٍ يختلف فيه الناس ويكتبون ويعترضون، وعراقٍ كان الهمس فيه مشروع إعدام، مسافةٌ لا يقيسها الزمن، بل تقيسها الكرامة.
لهذا لا أستغرب أن يطن الذباب في الثامن من آب من كل عام. فالذباب لا يملك ذاكرة، بل غريزة. وغريزته لا تقوده إلا إلى الجيف، لأنه لا يعرف كيف يعيش بين الأحياء.
أما العراق، فمهما أثقلته الجراح، فإنه لا يعود إلى المقابر ليبحث عن وطن، ولا يحتاج إلى مؤخراتٍ ناطقة لتلقنه معنى الكرامة.















