ما بين أول قذيفة وآخر اعتذار

سبت, 08/08/2026 - 20:30

 

محمود الجاف

 

هناك لحظات تمرّ في حياة الإنسان.

لن تصبح ذكرى، لأن الذكرى شيء مضى، أما بعضها فيبقى معلّقًا في الروح. كلما عدنا إليه، وجدنا أنفسنا في المكان ذاته، نسمع الأصوات نفسها، ونرى الوجوه التي غابت عن الحياة ولم تغب عن الذاكرة.

كانت تلك الأيام بداية طريق لم أكن أعرف نهايته.

كنت يومها في التاسعة عشرة من عمري، في ذلك العمر الذي يظن فيه الإنسان أن الحياة ما زالت أمامه، وأن الغد ملك يديه. لم أكن أعرف أن غدنا سيُكتب بصوت المدافع، وأن ثماني سنوات من الحرب ستأخذ من أعمارنا، ومن العراق، أشياء لن نستعيد بعضها.

كانت عائلتي تمتد جذورها بين بعقوبة وخانقين، ومن ديالى إلى السليمانية، وكانت البيوت والأهل والذكريات لا تزال تحمل دفء الأيام التي سبقت أن تعرف المدن صوت الإنذار.

في أحد أيام الخميس، طلبت من عمي عباس أن يأخذني معه. كان مفوضًا في الشرطة العراقية. حاول أن يثنيني، لكنني أصررت.

عندما وصلت إلى حيث كان يسكن أحد أخوالي، رأيت للمرة الأولى ملجأً كبيرًا قريبًا من البيوت.

سألت إبن خالي إحسان عنه، فقال:

"عندما تقصفنا إيران نختبئ فيه."

ضحكت.

كنت أظن أن الحرب شيء بعيد، يحدث في الخرائط أو في نشرات الأخبار. لكن مع غروب ذلك اليوم، بدأت أصوات الانفجارات تصل من بعيد، ورأيت الناس يهرعون إلى الملجأ الذي ضحكت من وجوده قبل ساعات.

دخلت معهم.

هناك، للمرة الأولى، فهمت أن الحرب ليست ما تقوله الكتب.

الحرب أم تضم طفلها.

ورجل يحاول أن يخفي خوفه عن أهله.

وقذيفة لا تعرف أين سقطت.

ولحظة تدرك فيها أن الموت لم يعد خبرًا يأتي من بعيد، بل صار قادرًا على طرق بابك.

في صباح اليوم التالي عدت، لكن الحرب لم تعد بعيدة.

كانت قد دخلت بيتنا.

ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة لم أخرج منها كما دخلتها.

رأيت رجالًا يذهبون إلى القتال وهم يعرفون أن بعضهم لن يعود. كانوا من مدن ومكونات مختلفة، لكن الخطر جمعهم في خندق واحد، وكان الوطن يومها أكبر من خلافاتهم.

لم يكونوا يبحثون عن مجد.

كانوا يؤدون ما اعتقدوا أنه واجب.

كانوا يذهبون، ونحن ننتظر.

وكان بعضهم يعود.

وبعضهم لا يعود.

ومضت السنوات.

وكبرت أنا.

وكبر العراق معنا، أو هكذا كنا نظن.

واليوم أقف أمام الذين رحلوا، لا كاتبًا يريد أن يكتب عنهم، بل شاهدًا يشعر أن الكتابة أمامهم نوع من الوقوف أمام محكمة لا يستطيع الإنسان فيها أن يكذب.

أيها الشهداء .

ماذا نقول لكم؟

نقول إننا لم ننساكم.

وهذا صحيح.

أسماؤكم ما زالت تُذكر، وصوركم ما زالت معلقة، وحكاياتكم ما زالت تُروى.

لكنني أخشى أن يكون النسيان أعمق من نسيان الاسم.

أن نتذكر الإنسان، ثم ننسى لماذا مات.

ولهذا جئناكم اليوم بشيء أثقل من الذكرى.

جئناكم بالاعتذار.

سامحونا.

لم نخسركم يوم رحلتم.

خسرناكم يوم عجزنا عن حفظ ما ظننتم أن أرواحكم ستتركه لنا. كنتم تظنون أن وراء الدم وطنًا سيبقى، وأن وراء التضحية مستقبلًا أفضل لأبنائكم، وأن العراق الذي تدافعون عنه سيعرف كيف يحفظ كرامة أبنائه. كنتم تظنون أن المصانع ستبقى تعمل، والحقول ستُزرع، والمدارس ستبني الإنسان، والثقافة ستبقى حية، وأن القيم التي حملتموها إلى الخنادق لن تصبح غريبة في وطنكم. لكننا فقدنا أشياء كثيرة، وتكسرت أشياء في الإنسان قبل أن تتكسر في الحجر.

الصدق.

والوفاء.

واحترام العمل.

والثقة.

والإحساس بأن الوطن ليس أرضًا نعيش فوقها، بل أمانة نعيش من أجلها. ولم نفقد كل ذلك في يوم واحد.

تساقط من أيدينا ببطء، حتى اعتدنا الغياب. وربما هذه أقسى الخسارات:

أن يعتاد الإنسان ما كان ينبغي أن يؤلمه.

وأنا أفكر في أبنائكم، أرى طفلًا كبر وفي ذاكرته صورة أب أكثر من صوت أب، وابنةً كان ينبغي أن تمسك يد أبيها، فوجدت صورته تقوم مقامه، وأمًا ظل بابها يعرف خطوات رجل لن يعود، وزوجةً أكملت عمرها بنصف قلب.

أيها الأبناء،

نستطيع أن نقول إن آباءكم كانوا أبطالًا.

لكن البطولة لا تعوّض الأب.

لا تعيد أصواتهم.

ولا تمسح من طفولة طفل سؤالًا ظل بلا جواب.

ولهذا فإن اعتذارنا لا يكتمل من دون الاعتذار لكم.

لقد تركوا لكم صورًا بدل الآباء، وذكريات في البيوت، وأعمارًا كان ينبغي أن تمتد أمامكم. كان ينبغي أن نترك لكم بلدًا يليق بتلك التضحيات.

أما الأجيال التي لم ترَ الحرب، فليست مطالبة بأن تعشق الموت.

إن أكبر وفاء لمن رحلوا أن نحب الحياة التي كانوا يريدونها لنا.

أن يتعلم أبناؤنا.

أن يعملوا.

أن يبنوا.

أن يختلفوا دون أن يكره بعضهم بعضًا. أن يعرفوا أن الوطن ليس غنيمة، وأن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، وأن العراق لا يكون عظيمًا بكثرة ما نأخذ منه، بل بما نعطيه.

قولوا لهم:

لم يمت آباؤكم لكي تموتوا.

ماتوا لكي تعيشوا.

أيها الشهداء ..

ربما لم نكن أمناء بما يكفي.

لكن هذا لا ينبغي أن يكون نهاية الكلام. فالوفاء لمن رحلوا ليس أن نرفع صورهم كل عام، بل أن نحمي المعاني التي آمنوا بها.

أن نعيد للعمل كرامته، وللعلم مكانته، وللفلاح أرضه، وللعامل حقه، وللشباب أملهم، وللإنسان العراقي حقه في وطن لا يشعر فيه بالغربة. فقد يبقى البلد قائمًا في الخرائط، بينما يسقط في نفوس أبنائه. وقد نبني ألف بناية، ولا نبني إنسانًا واحدًا. ولهذا فإن معركتنا اليوم ليست معركة بندقية.

إنها معركة استعادة الإنسان.

استعادة الضمير.

استعادة معنى الوطن.

وأنا أكتب إليكم، أعود إلى ذلك الفتى الذي دخل الملجأ لأول مرة، ولم يكن يعرف أن بعض الذين يحيطون به لن يعودوا. لم يكن يعرف أن الإنسان يموت مرة واحدة، لكن الوطن يمكن أن يموت فينا مرات.

يموت حين نفقد الأمل.

حين يصبح الظلم عاديًا.

حين يصبح الفساد مألوفًا.

حين نعلّم أبناءنا أن النجاح هو أن يملك الإنسان أكثر، لا أن يكون إنسانًا أفضل. ويموت حين يصبح العراقي غريبًا في وطنه.

أيها الشهداء .

أنتم غادرتم الحياة ولم تعرفوا ماذا سيحدث بعدكم.

وهذه قسوة أخرى من قسوات الموت:

أن تسلّم مستقبلك إلى من يأتي بعدك، دون أن تعرف إن كان سيحفظ الأمانة. لكننا ما زلنا نملك فرصة.

أن نجعل أبناءكم، يومًا ما، يقولون:

كان أبي على حق عندما ضحّى.

ربما تكون هذه أعظم شهادة يمكن أن نقدمها لمن سبقونا.

وفي هذه المناسبة، لا أريد أن أتذكر فقط اليوم الذي توقفت فيه المدافع.

أريد أن أتذكر السؤال الذي بقي بعدها:

ماذا فعلنا نحن بكل تلك الأرواح التي سبقتنا؟

فالذين رحلوا لا يستطيعون أن يطالبونا بشيء.

لكن قبورهم تستطيع.

وأبناؤهم يستطيعون.

وذاكرتنا تستطيع.

والعراق نفسه يستطيع.

وسيظل السؤال قائمًا ما بقينا أحياء:

ماذا فعلنا بما تركتم لنا؟

رحمكم الله.

يا من غادرتم الحياة قبل أن تكتمل أعماركم.

لم تكونوا مجرد أرقام في سجل حرب، بل كنتم حياةً كاملة توقفت في منتصف الطريق.

كنتم أبناءً وآباءً وأخوةً وأحلامًا.

وحملتم العراق في صدوركم، ثم سلمتموه لنا.

فإن عجزنا عن حفظه، فذلك ليس ذنبكم.

ذلك ذنبنا نحن.

سامحونا.

فالذين يرحلون لا يموتون حين يُدفنون.

يموتون حين تنتهي آثارهم فينا.

أما أنتم ..

فما دمنا نخجل أمام قبوركم،

وما دمنا نسأل أنفسنا ماذا فعلنا بما تركتم لنا،

فأنتم لم ترحلوا بعد.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف