
قصة قصيرة:
أكتبُ هذه السطورَ والقلبُ يَنِزُّ دَمًا، وثِقَلُ اثني عشرَ عامًا يركدُ فوقَ صدري كجبلِ «شنگال» الأشمِّ الذي شهدَ مأساتَنا. أكتبُ في الذكرى السنويةِ الثانيةِ عشرةَ لتلكَ الفاجعةِ، اليومِ الذي حُفرَ في أجسادِنا وأرواحِنا بالنارِ والحديدِ. اثنا عشرَ عاماً مَرَّتْ على الإبادةِ الجماعيةِ الأيزيديةِ، الجريمةِ التي حَمَلَتِ الرقمَ ٧٤ في سجِلِّ تاريخِنا المَظلومِ المَخضوبِ بالدماءِ.
كنتُ حينَها طفلاً لا يملكُ من أمرِ الحياةِ شيئاً، أتذكرُ كيفَ كُنّا نلتبسُ الخوفَ غطاءً، ننبسُ بالبكاءِ وننكبُّ على أقدامِ آبائِنا وأعمامِنا، نتوسّلُ إليهِم بدموعِ البراءةِ ألا يذهبوا، ألا يحملوا تلكَ الأسلحةَ التقليديةَ البسيطةَ ليمضوا إلى خطوطِ المواجهةِ. لم يُجدِ بكاؤُنا نفعاً، إذ لم يكنْ أمامَ رجالِنا البواسلِ خيارٌ آخرُ؛ لقد تخلّتْ عنّا القواتُ الأمنيةُ والمؤسساتُ الحاكمةُ للمنطقةِ آنذاك، سلّمَتنا للدواعشِ على طبقٍ من ذهبٍ، وفرّتْ هاربةً قبلَ أن نلمحَ غبارَ انسحابِها. حَامَ الموتُ حولَنا، فما كانَ من رجالِنا إلا أن ارتقوا ببطولتِهِم إلى مَصافِّ الأسطورةِ، صَدّوا بأسلحتِهِم الخاصةِ وبصدورِهِم العاريةِ أقوى هجومٍ شهدَتْهُ محافظةُ نينوى، دفاعاً عنِ الشرفِ والنّاموسِ والأرضِ.
آهٍ يا «شنگال».. كيفَ أستحضرُ تلكَ الليلةَ التي سبقتِ الطوفان؟ ولو نسيتُ اسمي، لن أنسى مساءَ يومِ العيدِ. كنّا نُطرقُ أبوابَ جيرانِنا مِمّنْ هم ليسوا أيزيديينَ، نُقاسمُهُم الفرحةَ، نُهديهِم خبزَ العيدِ وحلوياتِهِ بكلِّ مَحبّةٍ وحُسنِ نيّةٍ. لم نكُنْ نعلمُ أنّهُ بعدَ العيدِ بيومٍ واحدٍ فقط، ستتحوّلُ تلكَ الأيادي التي امتدّتْ لتأخذَ حلوانا إلى زِنادٍ يُطلقُ النارَ علينا! قبلَ أن تصِلَ فلولُ الدواعشِ إلى قُرانَا، كانَ أولئك الذينَ عشنا معَهُم عشراتِ السنينِ — مَن كنّا نسمّيهِم إخوتَنا في الإنسانيةِ والوطنِ وشُركاءَنا في الأرضِ— قد شَهَروا أسلحتَهُم في وجوهِنا، وقَطَعوا علينا مَمَرّاتِ النجاةِ. كانَ هناكَ جواسيسُ وأتباعٌ بينَ أظهرِنا. لولا الغدرُ الداخليُّ، لَما سقطتْ سنجارُ أبداً. وحينَ دخلَ أوباشُ «داعش»، كانوا يقفزونَ فرحاً، يلوّثونَ الهواءَ بصيحاتِهِم، ويُصوّرونَ مَشاهدَ ذبحِنا ونشرِها للعالَمِ، كأنّما يُنجِزونَ غزوًا في القرونِ الوسطى!
كيفَ نَثِقُ بالبشريةِ مجدداً؟ كيفَ نَستأمنُ إنساناً بعدما رأينا كيف يُقتلُ آلافُ الرجالِ والنساء لمجرّدِ أنّهُم لم يعتنقوا دينَهُم؟ أتَوْا لِمَحوِ الدينِ الأيزيديّ، لا يجاملُ في هذهِ الحقيقةِ اثنانِ، فالذين لم يكونوا أيزيديينَ انضمّوا إليهِم وسَلِموا من سياطِهِم. قتلونا باسمِ إيمانِهِم، ونحنُ الذينَ لم نَضُرَّ نملةً بكُفرِنا المَزعومِ في أعينِهِم.. نحنُ الأيزيديينَ، أول بني آدمَ مِمَّنْ آمنوا بوحدةِ اللهِ وجَلالِهِ. رفَعوا رايةَ "الله أكبر" لِيَسفكوا دَماً زكياً، وخَيّرونا بينَ الإسلامِ أو السيفِ، وكأنّنا في أعماقِ الجاهليةِ. والمُفارقةُ الفاجعةُ أنهم ببطشِهِم هذا لن يَنالوا جنةً ولا خَمراً، لأنّ العدالةَ الإلهيةَ أسمى من أن تُكافِئَ القَتَلَةَ والمُجرمينَ.
في طريقِ الفرارِ نحو الجبلِ، تكسّرتْ الأرواحُ على صخورِ القسوةِ. قَطَعَ العدوُّ ينابيعَ الماءِ من شمالِ الجبلِ وجنوبِهِ، فَماتَ المئاتُ عطشاً تحتَ هجيرِ الشمسِ. ولا تزالُ صورُ الفارينَ تُمزّقُ ذاكرتي.. أذكرُ ذلكَ الأبَ الفاجعَ، الذي حملَ ابنتَهُ بينَ يديهِ، وقَطَعَ بها مئاتِ الأمتارِ صاعداً الجبلَ، يركضُ بنَفَسٍ مَقطوعٍ وأملٍ واهِنٍ لِيُنقِذَها، وهو لا يعلمُ أن الصغيرةَ قد سَكَتَ نبضُها، وأنّها ماتتْ بينَ أحضانِهِ عطشاً قبلَ أن يقطعَ نِصفَ الطريقِ! وظلّ يحملُ جُثّتَها المَيْتَةَ ظانّاً أنّهُ يُسابقُ الزمنَ لنجاتِها. وحينَ استقرّ بِهِ المَطافُ لاحقاً في مخيمِ «بيرسفي» للنازحينَ، لم تحتملْ روحُهُ لوعةَ الفقدِ، فماتَ اشتياقاً وأسىً (ژ كوربا) لِطفلتِهِ.
وأيُّ خيارٍ ذاكَ الذي وُضِعَ فيهِ والدُ الطفلَةِ «يوفا»؟ حينَ كانتِ السيارةُ تُسرعُ بجنونٍ وتَهتزُّ على الطريقِ الترابيِّ لِتنجوَ بالعائلةِ كُلِّها من سياطِ الدواعشِ الملاحِقينَ لَهُم، فصَدَمَتِ السيارةُ حفرةً جامحةً («بطسة»)، لِتطيرَ الصبيّةُ الصغيرةُ «يوفا» من الصندوقِ الخلفيِّ وتَبتلِعَها الأتربةُ. تَرَدَّدَ صدى الخيارِ المريرِ في نفسِ الأبِ في كسرٍ من الثانيةِ: هل يرجعُ لإنقاذِ طفلتِهِ، فيُسلِّمَ عائلتَهُ بأكملِها لذبحِ الدواعشِ ودهسِ سياراتِهِم؟ أم يُمضي قُدُماً ويتركُ قِطعةً من كَبِدِهِ تُسحقُ تحتَ عجلاتِ العدوّ؟ خيارٌ تَتَفَطَّعُ لَهُ الرواسي.. اختارَ أن يَسْلَمَ الباقونَ، وتَرَكَ «يوفا» لِقدرِها المحتومِ!
تِلْكَ قَصَصٌ تُشيبُ لها ولدانُ التاريخِ، وما خَفِيَ كانَ أعظمَ وأمرّ. لا أريدُ أن أستفيضَ في ذكرِ الصغيراتِ اللائي لم تَتَجاوزْ أعمارُهُنَّ ستَّ سنواتٍ، كيفَ سُبِينَ واغتُصِبنَ بدمٍ باردٍ. ولن أتحدثَ عن «داي پيري»، تلكَ الشيخَةِ طاعنةِ السنِّ التي كانتْ تعيشُ بمفردِها في بيتٍ طينيٍّ ذي غرفةٍ واحدةٍ، حينَ اقتحموا عليها عُزلتَها وأحرقوها حيّةً داخلَ جدرانِها. ولن أتحدثَ عن فتيّاتِنا اللواتي بُعْنَ كبضاعةٍ رخيصةٍ بمبالغَ زاهدةٍ عبرَ تطبيقِ «تليغرام» البعيدِ عن الرقابةِ، أو استُبدِلْنَ بأحذيةٍ من ماركاتٍ عالميةٍ في أسواقِ النّخاسةِ ومحاكمِهِم الشيطانيةِ، ناهيكَ عن اللواتي قُتِلْنَ لمجرّدِ أنّهُنَّ لَمْ يَكُنَّ "جميلاتٍ كفايةً" في أعينِ أولئك السَفَلَةِ لِيَبقَيْنَ على قيدِ الحياةِ!
اليومَ، وبعدَ مرورِ اثني عشرَ عاماً، أتطلعُ حولي فلا أرى إلا الخُذلانَ يتجدّدُ. لا يزالُ الآلافُ من أبناءِ جِلدَتِنا مفقودينَ لا يُعرَفُ لَهُم أثرٌ، وعشراتُ الآلافِ يَتجرّعونَ مرارةَ الحياةِ في مخيماتِ النازحينَ في إقليمِ كردستانَ. البيوتُ في سنجار ما زالتْ أنقاضاً ركاماً إثرَ التفجيراتِ، ورفاتُ شوطٍ طويلٍ من المقابرِ الجماعيةِ لم تُحلَّلْ فُحوصاتُها الدقيقةُ بعدُ، لِتظلَّ العوائلُ مَحرومةً حتى من ضمِّ عظامِ شهدائِها والتأكّدِ من هوِيّاتِهِم. فأينَ الحكومةُ الاتّحاديةُ الفدراليةُ؟ وأينَ حكومةُ الإقليمِ من هذهِ الفاجعةِ المستمرةِ؟ أينَ المنظماتُ الدوليةُ، والجمعياتُ المدنيةُ، ومحاكمُ العدلِ الدوليةُ، ومؤسساتُ العدالةِ الانتقاليةِ وحقوقِ الإنسانِ؟ فوقَ كلِّ هذا النزيفِ، لم تعترفِ الحكومةُ العراقيةُ حتى اللحظةِ بشكلٍ رسميٍّ كاملٍ بكونِ ما جرى لنا هو "إبادة جماعية"!
إنّني أوجّهُ نداءي هذا إلى كلِّ مَنْ تَنبِضُ في صدرِهِ قَطرةٌ من إنسانيةٍ، إلى كُلِّ مَنْ يَحترمُ أرواحَ شهدائِنا وتضحياتِهِم العظيمةَ من أجلِ هذا الوطنِ، وإلى كُلِّ مَنْ يَحزنُ لِحُزنِنا في ذكرى إبادتِنا: شارِكوا هذهِ المأساةَ، اصرخوا بها في وجهِ العالمِ! لقد وصَلَتْ للعالَمِ صورةٌ مُحرَّفةٌ ومَغلوطةٌ عنّا؛ إذ تُشيرُ الاستبياناتُ إلى أنّ ٨٠٪ من الشعبِ العراقيِّ لا يَعرفونَ حقيقةَ ما مَرَّ بِهِ إخوانُهُم الأيزيديونَ من أهوالٍ ومجازرَ.
لكنّني أُعاهِدُكُم، وأُعاهِدُ أرواحَ شهدائِنا: إنّ أبناءَ أولئك الرجالِ الأبطالِ سيكونونَ أبطالاً على خُطا آبائِهِم. لن نَنكسرَ، ولن نندثرَ. سَنُضيءُ رغمَ الركامِ، كما تُضيءُ النجومُ اللامعةُ في عتمةِ الليلِ وسكونِهِ.. نوراً سَنُضيءُ أو ناراً، يومَ تشرقُ الحقيقةُ! فنحنُ قَوْمٌ وُلِدنا من رَحِمِ المعاناةِ، وتَعَمَّدنا بالرمادِ، وخَرَجنا من رُكامِ ٧٤ إبادةً جماعيةً لِنَصنَعَ آمالَنا بأيدينا الصلبةِ.
رَحِمَ اللهُ شهدائَنا الأبرارَ، وأسكنَهُم فسيحَ جنّاتِهِ. لن ننسى ما حَلَّ بنا، فـالنسيانُ خيانةٌ كبرى بحقِّ أولئك الذينَ قدّموا أجسادَهُم جُسوراً لِنَحيَا نحنُ.
— إيهاب حيدر
ابنُ تلكَ المدينةِ المنسيةِ، ابنُ «شنگال» الجريحةِ التي ما زالتْ تَنزِفُ دَماً مع كلِّ دمعةٍ تسقطُ من عينِ أُمٍّ أيزيديةٍ على ولدِها الشهيد.
.........................................................................................
حيدر حسين سويري
كاتب وأديب وإعلامي
البريد الإلكتروني: [email protected]















