تغييب الإنسان في الصراع بين العقيدة والوطن

أحد, 11/08/2026 - 17:13

 

سمير عادل

أثار رد الممثلة آلاء حسين، في إجابتها عن سؤال الإعلامية منى سامي حول أيهما أهم: العقيدة أم الوطن؟، جدلاً واسعاً الذي ما زال مستمرا بالرغم من مرور عشرة أيام على المقابلة مع قناة (الأولى)، إذ أجابت بأن العقيدة أهم، وأنها هي التي حمت الوطن.

 لسنا بصدد مناقشة رأي السيدة آلاء حسين؛ فهي حرة في رأيها، ويستطيع شخص آخر أن يجيب بأن الوطن هو الأهم، فيما قد يرى آخر أن كليهما يحتل المستوى نفسه من الأهمية، وهكذا. لكن هذا الرد تحول إلى مادة للتنظير الطائفي من كل حدب وصوب على شبكات التواصل الاجتماعي، وكأن الطائفيين، الذين تلقفوه، وهم جميعاً، دون استثناء، وخاصة من أعضاء الأحزاب الإسلامية الشيعية وميليشياتها و أبواقها الإعلامية المأجورة، قد اكتشفوا أن الشمس هي مصدر حرارة الأرض! ويا لفقرهم الفكري وخوائهم السياسي، حتى إن موهبتهم الطائفية لم تسفر، بعد كل هذا التمخض، إلا عن فكرة أصغر من فأر!

إن قرع طبول العقيدة إلى حد الصخب محاولة لإثبات حقانية زائفة لا وجود لها أصلاً؛ إنها الحقانية الطائفية المعادية، حتى النخاع، للماهية الإنسانية. ولأن موهبتهم الفذة تكمن في افتقاد الموهبة الفكرية والسياسية، فإنهم ينسون أن العقيدة لا تختزل في المذهب وحده الذين يصنفون انفسهم به، بل تشمل أيضاً مختلف أنواع العقائد، ومنها عقيدة الإلحاد، التي يطلقونها على كل من يهدد امتيازاتهم القائمة على الطائفية وسلطتها المقيتة.

فالطائفيون أنفسهم يطلقون أوصاف الإلحاد على العلمانيين والعلمانيات، لأنهم يطالبون بفصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم، وعلى الحداثة لأنها تجفف مستنقعاتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية ، وعلى الشيوعية لأنها تهدد بتجريدهم من الثروات التي نهبوها وسرقوها… إلخ.

فإذا كانوا يعترفون بأن المذهب عقيدة، فعليهم أيضاً الاعتراف بسائر العقائد. فلماذا يخجلون من تسمية الأشياء بمسمياتها، ويلجؤون إلى التلاعب بالمفاهيم والاختباء خلف ستار العقيدة؟ والجواب لإنهم بحاجة إلى المناورة تحت هذا الستار، لأنهم يدركون، أكثر من غيرهم، عمق وتجذر المدنية والحداثة في تاريخ المجتمع العراقي الذي يرفض الطائفية والمذهبية جملة وتفصيلا. لقد فشلوا في إعادة المجتمع العراقي قهقرى إلى الوراء، وفي الحلول محل الكنيسة في عصورها الوسطى، تارة عبر الاختطاف والقتل على الهوية، وأخرى عبر التهديد والوعيد، ومرة عبر قتل النساء، وأخيرا عبر سن القوانين القروسيطة مثل تعديل قانون الأحوال الشخصية، البغاء،المناسبات الدينية، ومنع النوادي الاجتماعية والمشروبات الكحولية.

إنهم يحاولون دك أسس المدنية والتحضر منذ أن جرى تعويمهم سياسياً وتنصيبهم على السلطة والحكم في العراق بحراب الغزو والاحتلال، مستغلين الصدمة التي تعرضت لها جماهير العراق، بعد إنهاكها جراء الحصار الاقتصادي الظالم الذي استمر ثلاثة عشر عاماً، ثم الحرب التي شُنت عليها، وما رافقها من تدمير للبنى التحتية، من كهرباء وماء وطاقة وجسور وشوارع. كما تعرض المجتمع العراقي إلى قرصنة اجتماعية تحت عنوان «الحملة الإيمانية» التي أطلقها نظام صدام حسين، الذي شيّد القصور والجوامع على بطون الملايين الخاوية من الجائعين، في طول العراق وعرضه اثر الحصار الاقتصادي، موفراً أماكن للدعاء إلى الله، عسى ولعل أن يصبرهم على وجع الجوع، بدلاً من أن يثوروا عليه ويسقطوا نظامه.

إن أكثر ما يقلق الطائفيين ويرعب سلطتهم المقيتة هو بروز الإنسان بوصفه قيمة عليا، ذلك الإنسان الذي قال عنه ماركس إنه أثمن رأس مال. فالهوية الإنسانية تجردهم من امتيازاتهم، وتبطل مفعول المذهب الذي ينتزع البشر من هويتهم الإنسانية ويعيد تصنيفهم على أساس الطائفة والانتماء المذهبي. كما أنها تفضح الحقانية الطائفية الزائفة، التي لا تصمد للحظات أمام المنطق الإنساني.

إن محاولة ليّ مفهوم العقيدة وحصره في الطائفة، والادعاء بأنها هي التي حمت الوطن، لا تقتصر على فرض هذه الرؤية، دون أي وجه حق، على جماهير العراق بمختلف تلاوينها القومية والدينية والفكرية والسياسية، والادعاء بأنها أنقذت «الوطن» من عصابات داعش، بل تمنح، بالقدر نفسه، حقانية زائفة أخرى لعقيدة داعش ووحشيتها المعادية للإنسانية.

فداعش أيضاً لها عقيدة، وباسم هذه العقيدة ذبحت الشباب في عمر الزهور في مجزرة معسكر سبايكر، وباسمها سبت النساء الإيزيديات وباعتهن في أسواق النخاسة العلنية في مدينتي الموصل العراقية والرقة السورية، وفرضت الإتاوات على المسيحيين. وباسم العقيدة والمذهب، قتلت المئات ممن صُنّفوا على أنهم شيعة، واعتبرتهم كفاراً ومشركين، ودمرت المعالم الحضارية في الموصل، وسلبت النساء حقوقهن وعاملتهن كالجواري. وبالتالي باسم العقيدة أعلنت تأسيس دولة الخلافة الإسلامي.

والمفارقة الكوميدية، في صراع العقائد؛ العقيدة التي انتصرت في هذه المواجهة كانت عقيدة السلطة الحاكمة في العراق، وذلك في خضم تحولات إقليمية ودولية وصراع الأقطاب الدولية. فعقيدة الطائفيين في العراق، التي عبّرت عنها آلاء حسين، وقفت خلفها القوات الأمريكية والتحالف الغربي، بينما هُزمت عقيدة داعش لأنها حاولت تغيير التقسيم الجغرافي والسياسي للمنطقة. ألم يقل لنا صاحب نظرية «صفر مشاكل»، الذي احتُفي به في بغداد قبل أكثر من شهر، وهو وزير الخارجية التركي آنذاك عام 2014، أحمد داود أوغلو، في مؤتمر صحفي، رداً على سؤال بشأن احتلال داعش للموصل، إن هناك ظلماً طائفياً في العراق، بدلاً من إدانة داعش ووصف أفرادها بأنهم عصابة من المجرمين، وإن داعش، وعقيدتها الوحشية، لم تكونا سوى أدوات لقوى إقليمية ودولية حاولت تحقيق أجنداتها ومصالحها السياسية في المنطقة.

نقول: ليس هناك عقيدة مقدسة، وليس هناك عقيدة أهم من الإنسان؛ فالإنسان هو أسمى قيمة، وهو أهم من جميع العقائد. وإذا كان الإنسان هو المعيار، فلا بد من فصل الدين، عن الدولة. إن هذه المسألة تمثل كعب أخيل الطائفيين، وإعلان أفول نجمهم الساطع اصطناعياً.

إن فصل الدين عن الدولة، وإعلاء قيمة الإنسان داخل حدود الدولة القائمة، أي ضمن جغرافية العراق، هو الكفيل بحماية جماهير العراق وأمنها وسلامتها ورفاهها. وهو الذي سيشكل سداً منيعاً في وجه جميع القوى الرجعية، سواء أكانت قوى إقليمية أم دولية أم عصابات إرهابية مثل داعش.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف