من الرعاع إلى الرعية.. ديمقراطية توافقية

سبت, 02/14/2026 - 19:20

محمد جواد الميالي
تعيش الحكومة العراقية اليوم أزمة حقيقية، لا تختصر في عجز مالي، ولا تتوقف عند توتر دبلوماسي مع إيران أو
الولايات المتحدة الأمريكية.
المشهد أوسع وأعمق، لأن العراق يقف في منطقة رمادية داخل معادلات الشرق الأوسط، بلا موقف حاسم، وبلا
قدرة على المناورة، وبلا مشروع واضح لإدارة التوازنات المحيطة به، هذه الأزمة لا تبدو طارئة، بل نتيجة مسار
طويل من الخلل المتراكم.
يسود اعتقاد عام، لدى الشارع كما لدى النخب، أن سبب الفشل يكمن في قرارات حكومية خاطئة، لذى نرى ان
الجميع يحمّل الحكومة وزر كل الإخفاقات، وكأنها كيان منفصل عن النظام السياسي، هذا التبسيط يريح الجميع،
لأنه يعفي الأحزاب والزعامات من مواجهة الحقيقة، حقيقة أن الحكومة ليست سوى صورة عن توافق شامل
شارك فيه الجميع دون استثناء.
يقوم النظام السياسي في العراق على المحاصصة بوصفها قاعدة لا استثناء، كل شيء يخضع لها، من أعلى موقع
سيادي إلى أصغر وظيفة في أبعد ناحية نائية داخل أفقر محافظة، لا وجود لمفهوم الدولة بوصفها مؤسسة عامة،
بل حضور دائم لمنطق الحصص والتوازنات والترضيات، الوظيفة لا تُمنح على أساس الحاجة أو الكفاءة، بل على
أساس الانتماء والولاء، وبذلك تفقد الإدارة معناها قبل أن تبدأ.
تُفرغ الديمقراطية من مضمونها عندما تتحول إلى توافق دائم، الديمقراطية في جوهرها صراع برامج، وتداول
سلطة، ومعارضة حقيقية تراقب وتحاسب، التجربة العراقية ألغت هذا المعنى، لأن الجميع في السلطة، والجميع
خارج المحاسبة، لا معارضة واضحة، لأن من يصف نفسه بالمعارض يمتلك محافظين، ومدراء عامين، ومواقع
تنفيذية واسعة داخل الدولة.
لذلك نرى ان السيناريو يكرر نفسه مع نهاية كل دورة حكومية، وسؤال واحد يُطرح بإلحاح.. من يتحمل
المسؤولية؟ دائما ما تكون الإجابة جاهزة.. الحكومة! لا أحد يسأل عن القوى التي شكلت هذه الحكومة، ولا عن
الأحزاب التي تفاوضت وتقاسمت وفرضت أسماءها، الحكومة هنا تتحول إلى واجهة، بينما يختفي الفاعل الحقيقي
خلف خطاب عام غائم.
اذا هل تعرف هذه الزعامات كيف تُدار الدول؟ لأنها ليست إدارة جمهور ولا توازن شعارات، بل تخطيط،
ومؤسسات، وقواعد واضحة للفشل والنجاح، الدول لا تنهض بالنوايا، بل بقدرتها على محاسبة من يخطئ
وإقصائه عن القرار، مهما كان موقعه أو تاريخه.
الحقيقة ان العمل الحزبي في العراق يعاني من فراغ فكري واضح، الحزب لا يتقدم ببرنامج حكم، بل بمطالب
حصته من الكعكة، والفشل في الديمقراطية التوافقية، لا يؤدي إلى الخروج من السلطة، بل إلى إعادة التفاوض
داخلها، الحزب يفشل وهو شريك، ثم يعارض وهو مستفيد، ثم يعود ليطالب بحصة جديدة في الحكومة التالية، هذه
الحلقة المغلقة تنتج سلطة بلا مسؤولية، ودولة بلا مشروع.
لذلك فإن الطبقة السياسية في الأيام الأخيرة من كل حكومة، تترقب النهاية بقلق، الخطاب يهدأ، والتصريحات
تتغير، والدعاء يحضر فجأة، الخوف هنا ليس على الدولة، بل على التوازن الهش الذي يضمن بقاء الجميع داخل
السفينة، لأن الغرق المحتمل لا يهدد الشعب فقط، بل يهدد منظومة المصالح كلها.
الطبقة الحالية ان لم تصحح المسار الديمقراطي، و تنتقل من حال الرعاع إلى معنى الرعية عبر استعادة فكرة
الدولة، فإنها ستنهار عبر الجيل القادم، الجيل الذي سيفقه ان الدولة يجب ان تُدار بالقانون لا بالصفقات،

وبالمؤسسات لا بالأشخاص، وبالمساءلة لا بالتوافقات المغلقة، استمرار تجاهل هذه الحقيقة يعني استمرار الفشل،
مهما تغيّرت الحكومات، ومهما تبدّلت الوجوه، ستبقى الدولة مؤجلة إلى إشعار آخر.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف