
الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي
لطالما كانت الرواية العراقية في تطور متصاعد, كجريان دجلة في أوج عطائه، لا تعرف الهدوء ولا ترضى بالقشور، بل كانت تغوص في عمق الروح العراقية لتستخرج منها درراً أدبية صاغها جيل الرواد بحبر الصبر والمعاناة, كان النص العراقي قديماً يمتلك سطوة لا تُقاوم، فهو ليس مجرد حكايات تُحكى، بل هو طمي إبداعي يغذي العقول ويبني الهوية، ويحمل في طياته هيبة التاريخ وثقل الموقف, كان القارئ حين يفتح رواية عراقية، يشعر وكأنه يواجه نهراً جارفاً من المشاعر والأفكار التي لا تترك ضفة إلا وزلزلتها.
لكن الصورة اليوم تبدلت بشكل يدعو للتأمل والحزن معاً، فقد انحسر ذلك النهر العظيم وتفرقت مياهه، وبات المشهد الروائي يشبه جداول متناثرة يغلب عليها الضحالة والضعف. لقد تسلل "الاستسهال" إلى أقلام الكثيرين، فصار الكاتب يستعجل القطاف قبل نضج الثمرة، ويقدم نصوصاً باهتة تفتقر إلى العمق الفلسفي
والسبك اللغوي الرصين.
إن ما نراه اليوم هو ضياع للبوصلة السردية, في زحمة التكرار والسطحية، حيث غاب الابتكار وحل محله التقليد، مما جعل الرواية تفقد تلك السلطة الساحرة التي كانت تميزها، لتتحول من قضية وطن وروح, إلى مجرد كلمات عابرة لا تترك في الذاكرة أثراً ولا في الوجدان صدى.
· فخ "الثيمة" الواحدة
لقد وجدت الرواية العراقية المعاصرة نفسها سجينة داخل زنزانة ضيقة أسمتها "الحدث الكبير"، فمنذ أن عصفت رياح عام 2003 بالبلاد، صار النص الروائي يدور في حلقة مفرغة لا يخرج عن حدود الانفجار، ومرارة الاحتلال، وسواد الطائفية. لقد تحولت هذه المآسي من جروح نازفة تطلب التأمل والتحليل، إلى المحرك الوحيد واليتيم الذي يدفع أقلام الكتاب، حتى كاد الأدب العراقي أن يختزل كل ثرائه وتنوعه في هذه الثلاثية الحزينة وحدهـا.
ومع استمرار الكتاب في اجترار هذا الوجع واستخدام ذات الأدوات السردية المكررة، بدأ الألق يتلاشى، وتحول الألم العراقي من قضية إنسانية كبرى تهز الوجدان، إلى مجرد "قالب جاهز" أو "كليشيه" يتكرر في كل غلاف جديد. لقد وصل القارئ إلى حالة من التشبع والاكتفاء، بعدما وجد أمامه جيشاً من الروايات التي تكتفي بدور "المصور الفوتوغرافي" الذي ينقل الواقع بقسوته وفجاجته دون زيادة أو نقصان، غافلة عن دور الأدب الحقيقي في الصعود بهذا الواقع إلى فضاءات فلسفية أوسع، أو صهره في قوالب جمالية مبتكرة تمنح الوجع معنىً أعمق.
إن الرواية التي تكتفي بوصف الدخان لا يمكنها أن تخلد، فالأدب العظيم هو الذي يبحث عما خلف الدخان، وعما تبقى من الإنسان وسط الركام، وهو ما افتقدناه في زحمة الروايات التي استسلمت لفخ الثيمة الواحدة.
· هوس الجوائز السريعة
في أروقة الأدب العراقي الحديث، نشأت ظاهرة غريبة حولت الإبداع من غاية تسعى إلى الخلود، إلى وسيلة تطارد بريق الجوائز وسحر الأضواء. لقد أصبحت جائزة "البوكر" وغيرها من المنصات العربية هي البوصلة الوحيدة التي تُسيّر قوارب الروائيين، فصار الكاتب يخط كلماته وهو يلتفت يميناً وشمالاً، لا ليتحسس نبض القارئ أو عمق الفكرة، بل ليرضي ذائقة لجان التحكيم وما تطلبه من معايير محددة سلفاً.
هذا التوجه المحموم خلق لنا ما يمكن تسميته بـ "السرد المعلب"، وهو أدب يُصنع بمقادير جاهزة، يفتقر إلى روح المغامرة وحرارة التجربة الحقيقية، كأنه وجبة سريعة تُقدم لإشباع رغبة عابرة في الشهرة، بدلاً من أن يكون مأدبة فكرية تمتد لجيل بعد جيل.
لقد أدى هذا التسابق نحو منصات التتويج إلى حالة من الاستعجال المربك في عملية النشر، حيث صار الروائي يحسب أيامه بالشهور المتبقية على موعد التقديم للجائزة، لا بالوقت الذي يحتاجه النص لينضج ويختمر. هذا "التعجل" سلب من الرواية العراقية أثمن ما تملك وهو "النضج الروائي"، فخرجت إلى الضوء نصوص نيئة، تفتقر إلى المعمار الفني الرصين واللغة المسبوكة بعناية. ومن هنا، تراجعت الروح الأدبية المتكاملة، وحلّت محلها نصوص جافة تشبه في جفافها التقارير الصحفية التي تسرد الوقائع دون أن تنفذ إلى جوهرها الإنساني، فخسرنا بسب ذلك الرواية التي تعيش في وجدان الزمن، وربحنا بدلاً منها كتباً تنتهي صلاحيتها بمجرد إعلان أسماء الفائزين.
· غياب الناقد الحاذق
إن تراجع سطوة الرواية العراقية وانحسار أثرها في الوجدان ليس إلا وجهاً آخر لغياب تلك العين البصيرة التي كانت ترعاها، فالحقيقة المرة تشير إلى أن تراجع السرد هو في جوهره انكسار لهيبة النقد. ففي تلك الأيام الخوالي، كان الناقد العراقي يقف كحارس أمين على بوابات الإبداع، يمتلك قامة فكرية مهيبة لا تداهن ولا تجامل، وكان قلمُه بمثابة الغربال الدقيق الذي لا يمر منه إلا ما استحق البقاء؛ يفرز الذهب الخالص من الركام، ويفرق ببراعة بين الأدب الحقيقي وبين الادعاء الزائف. كانت الكلمة النقدية حينها تمنح النص شهادة ميلاد أو تحكم عليه بالنسيان، مما دفع الروائيين إلى تهذيب نصوصهم وصقلها قبل أن تجرؤ على مواجهة تلك المعايير الصارمة.
أما اليوم، فقد تبدلت تلك الموازين وتاهت الملامح، وحلّ زمن "المجاملات الإخوانية" الذي يوزع المديح بالمجان، وصارت المراجعات السطحية على منصات التواصل الاجتماعي هي التي تحرك المشهد وتصنع هالات وهمية حول نصوص هشة. لقد غاب النقد الرصين الذي يغوص في أعماق المعنى وجغرافيا اللغة، وحل محله ضجيج "الإعجابات" والتعليقات العابرة التي لا تفرق بين الجوهر والمظهر. هذا الغياب المتعمد للمبضع النقدي سمح للكثيرين بأن يعيشوا "صافي الأوهام"، متوهمين أنهم قد بلغوا القمة بينما هم لم يبارحوا السطح بعد، ومع ضياع تلك المقاييس والضوابط، غابت تلك الرواية "الخالدة" التي كانت تُصهر في أفران النقد الحقيقي لتخرج تحفةً عصيةً على النسيان.
· فوضى النشر والاستسهال
في الماضي، كان الطريق إلى النشر يشبه العبور فوق جسر ضيق لا يمر منه إلا من امتلك زاداً حقيقياً من الموهبة والإبداع، حيث كان الكتاب يخضع لتدقيق صارم واختبارات قاسية قبل أن يرى النور. أما اليوم، فقد تحول النشر من عملية شاقة تتطلب جودة استثنائية ونفساً طويلاً، إلى مجرد إجراء مادي بسيط ومتاح للجميع. لقد ظهرت دور نشر تجارية لا تعنيها قيمة الكلمة بقدر ما تعنيها المبالغ التي تتقاضاها من جيوب الكتاب، مما أدى إلى فيضان مخيف أغرق السوق بمئات الروايات سنوياً دون حسيب أو رقيب. هذا التراكم الكمي الهائل لم يضف للمشهد الثقافي ثراءً، بل خلق ضجيجاً عالياً وتلوثاً بصرياً حجب الروايات الحقيقية المبدعة التي تضيع اليوم وسط ركام من الورق المطبوع بلا روح.
والأخطر من ذلك، أن هذا التساهل في النشر أوهم الكثيرين بأن كتابة الرواية هي مجرد "حكاية" عابرة تُحكى على عجل، أو مجرد سرد لذكريات شخصية ومواقف يومية لا رابط بينها. لقد تناسى هؤلاء أن الرواية في جوهرها هي هندسة لغوية دقيقة تتطلب بناءً متيناً، ومعمار فكري معقد يحتاج إلى وعي عميق وثقافة واسعة وقدرة فائقة على صهر الواقع في قالب الخيال. إن تحويل الرواية من "فن رفيع" إلى "سلعة تجارية" سهلة المنال قد سلبها قدسيتها، وجعل القارئ يتوه في زحمة العناوين البراقة التي تخفي خلفها فراغاً موحشاً، مما أضعف من مكانة الأدب الرفيع وأخرجه من دائرة التأثير الحقيقي في حياة الشعوب.
· اخيرا: العودة إلى النبع الصافي
في نهاية المطاف، إن ما تمر به الرواية العراقية اليوم ليس حكماً بالإعدام، بل انها "وعكة صحية" ناتجة عن صخب الاستعجال وضجيج الجوائز وفوضى النشر. لقد آن الأوان ليدرك الكاتب العراقي أن الأدب ليس مجرد سرد كلامي أو نقل فوتوغرافي للدمار، بل هو رسالة فكرية وجمالية تحتاج إلى وقت لكي تختمر، تماماً كما يحتاج النخل لسنوات ليعطي أطيب الرطب.
إن العودة إلى هيبة النص العراقي تتطلب وقفة جادة مع الذات؛ وقفة تعيد للنقد هيبته بعيداً عن المجاملات، وللنشر صرامته بعيداً عن التجارة، وللكتابة قدسيتها بعيداً عن "هوس الأضواء". نحتاج اليوم إلى رواية لا تكتفي بوصف الجرح، بل تبحث عن الدواء في عمق الفلسفة والتاريخ والإنسان، رواية تعيد لـ "دجلة الإبداع" جريانه الصافي وقوته الجارفة. فالعراق الذي علم العالم الكتابة، لا يليق به أن يكتفي بنصوص عابرة، بل يستحق أدباً يبقى محفوراً في ذاكرة الزمن، أدباً كبار يرفعون اسم البلاد في كل المحافل كما فعل الرواد الأوائل.















