استنساخ سيناريو أحمد الشرع في العراق: بين رعب السلطة وانتظار المعارضة

جمعة, 08/29/2025 - 17:42

 

سمير عادل

في مرحلة إعادة تشكيل مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، تتسابق الجماعات الإسلامية إلى خلع عباءتها الطائفية وارتداء البدلة والربطة على الطريقة الأردوغانية، سعيًا للهيمنة على السلطة السياسية.

فكما انزلوا الجولاني بالمضلات التركية على دمشق، يتوهم غير قليل ممن صنّفوا أنفسهم في خانة “المعارضة” العراقية للسلطة الموالية لإيران، أن بإمكانهم هم أيضًا أن ينالوا نصيبًا من الحظ مثلما ناله الحاكم السوري الجديد، في ظل المعادلات السياسية الجديدة التي يجري رسمها في هذا "الشرق الأوسط الجديد".

لا شك أن سلطة الإسلام السياسي الشيعي في العراق تمضي بالبلاد نحو تأسيس دولة استبدادية قمعية، سواء كانت بوصلتها متجهة نحو إيران أو أخذت تميل هذه الأيام نحو الولايات المتحدة الأميركية التي باتت صاحبة اليد الطولى في العراق والمنطقة بفضل تحالفها مع إسرائيل ومشروعها المشترك المسمى “الشرق الأوسط الجديد”.

فما نشهده اليوم، في ظل هذا الوضع السياسي، هو حملة اعتقالات سياسية متواصلة بحق كل من ينتقد السلطة القضائية أو الحكومة، عبر فبركة التهم واختراع تشريعات قانونية وفتاوى قضائية متهرئة، تحت عناوين عفى عليها الزمن ولم تعد تنطلي على أحد مثل: "تضليل الرأي العام"، "نشر الفوضى في المجتمع"، و"تهديد السلم المجتمعي". وقد كشفت قضية الدكتورة بان زياد، التي جرى اغتيالها وإغلاق ملفها بدم بارد، عن هذا النهج الخطير، حيث رُفعت دعاوى كيدية ضد كل من انتقد قرار المحكمة بحجة “تضليل الرأي العام”. في حين أن من حق أي مواطن الطعن في القرارات القضائية والمطالبة بفتح تحقيقات جديدة. لكن الحقيقة أن السلطات السياسية العراقية، بكل أركانها القضائية والتنفيذية والتشريعية، هي التي تعمل على تضليل الرأي العام للتستر على الجريمة المنظمة والفساد.

وما صرّح به رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أمام بعض ممثلات منظمات المجتمع المدني عن "حرص الحكومة على حقوق النساء" لا يعدو كونه ضربا من النفاق السياسي و أكاذيب فاضحة، وانه محاولة فاشلة لاحتواء الغضب الجماهيري تجاه ملف الاغتيال المذكور، وفي الوقت ذاته دعاية انتخابية سمجة، ومسعى لتغطية الصدع بين السلطتين التنفيذية والقضائية بعد التراجع عن تشكيل لجنة تحقيقية مستقلة.

في ظل هذه الأجواء القمعية، من الطبيعي أن تخشى الأصوات المعارضة القمع والبطش، وتغادر البلاد لتشكيل معارضة في الخارج. غير أن ما نراه اليوم هو بروز جماعات وشخصيات تدّعي "المعارضة" وكانت جزءًا من العملية السياسية بعد غزو واحتلال العراق عام ٢٠٠٣، وسجلها لا يختلف عن سجل أحمد الشرع حاليًا (الجولاني سابقًا) الذي ادعى تمثيل المعارضة السورية. وقد سُلّطت عليها الأضواء الإعلامية لتعلن عن تشكيل ما يسمى بـ"المجلس الوطني للمعارضة"، يقوده عبد الناصر الجنابي، النائب السابق وعضو جبهة التوافق "السنية" حينذاك، المتهم بتصريحات طائفية والتحريض على قتل أكثر من مئة شخص على أساس الانتماء المذهبي الشيعي إبان الحرب الأهلية عام ٢٠٠٧، وصاحب شتائم طائفية معروفة داخل البرلمان، لم يتمكن أحد من منافسته فيها سوى شخصين: أحدهما صاحبة معادلة "٦ في ٦" النائبة حنان الفتلاوي، التي قالت: “إذا ما قُتل ٦ من الشيعة فيجب قتل ٦ من السنة"، والثاني هو نوري المالكي، الذي تزعم قائمة دولة القانون وكانت الفتلاوي عضوة فيها، عندما صوّر قمع الاحتجاجات في المنطقة الغربية بأنه حرب بين الحسين ويزيد، ولقب نفسه بـ"مختار العصر" تيمّنًا بالمختار  الثقفي 1 هـ / 622م - 67 هـ / 687 م  صاحب شعار “يا لثارات الحسين”، الذي خاض تحت رايته حربًا دموية مع الأمويين من أجل السلطة، كما فعل المالكي في تصفية معارضيه السياسيين.

في منطقتنا ليس غريبًا أن يتحول أمراء الحرب إلى قادة سياسيين، بل الغريب ألا يتحولوا. فهذا ما جرى في لبنان بعد الحرب الأهلية، وما نشاهده في ليبيا، وقد تكرر في العراق. فمن كان يتصور أن أحمد الشرع، الذي رُصدت مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لرأسه،  ومطلوب للعدالة من قبل الجماهير العراقية والسورية، تُمحى كل جرائمه الجنائية ويُعاد تأهيله ليكون حاكمًا لسوريا بشرط ضمان مصالح الغرب، وخاصة الولايات المتحدة وإسرائيل؟

لكن العراق ليس سوريا، والنظام فيه ليس كنظام بشار الأسد. وخلال ما يقارب عقدين منذ الغزو والاحتلال، رُبط العراق بالسوق الرأسمالية العالمية واحتل موقعًا في تقسيم الإنتاج الرأسمالي العالمي، أي في صناعة النفط، وشرّعت عشرات القوانين لتسهيل حركة رأس المال وتراكمه. وتتفق الأقطاب الإقليمية والعالمية على الحفاظ على النظام السياسي في العراق، مع سعي أطراف منها إلى تغيير وجهة بوصلته السياسية. كما وتتفق هذه الأقطاب على ان الأداة  التغيير الوحيدة هي عبر آلية الانتخابات القادمة.

وبغض النظر عمّا ستؤول إليه حالة الاستقرار السياسي واحتدام صراع الأقطاب الإقليمية، مثل تركيا وإيران، والتناقضات في بنية النظام السياسي في بغداد، فضلًا عن ميلان كفة الميزان إلى أي كما ان الولايات المتحدة الأميركية والأقطاب العالمية الأخرى غير مستعدة لوضع النظام السياسي في العراق بيد قوى مجهولة، كما هو الحال في سوريا. فصحيح أن الشرع يحاول الانفصال عن تاريخه الإسلامي الدموي وطَيّ هذا الملف والتنصل من جرائمه في العراق وسوريا عبر مقولة “عفا الله عما سلف”، وقد قدّم أوراق اعتماده لدى إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وجميع الأقطاب الإقليمية والعالمية، لكن التوبة وحدها لن تسعفه، ولن تنقل سوريا إلى بر الأمان. فما زال من المبكر الحديث عن المسار الذي تسلكه سوريا لتصل إلى ما وصل إليه العراق في الاندماج بالسوق الرأسمالي العالمي وعملية تقسيم الإنتاج، بالرغم من رفع الحصار والعقوبات الاقتصادية والوعود بضخ المليارات من الدولارات في السوق الاستثمارية السورية، وتحرير السوق، وتشريع القوانين الاقتصادية.

وهذا ما لا تريد أن تفهمه هذه المعارضة التي تخفي لباسها الطائفي تحت البدل وربطات العنق التي يرتديها الجنابي وجماعته. وبصيغة أخرى، فإن هذه المعارضة، التي رفعت يافطة كبيرة باسم “المجلس الوطني للمعارضة”، وأغرقت الفضاء الإعلامي بالدعاية وتضخيم الذات، لا تملك مقومات تغيير حقيقي. فهي تراهن على أموال بعض الدول الإقليمية ودعم إعلام مأجور، وتعمل كأداة لتحقيق مصالح تلك الدول، وفي مقدمتها تركيا. وبصيغة أخرى، يمكن القول إن هذا النوع من المعارضة ليس أكثر من كاريكاتور سياسي، وأداة تهديد وضغط بيد تركيا، التي دخلت موسم حصادها السياسي لتكون طرفًا في إعادة ترتيب المعادلة السياسية في العراق، أسوة بأميركا وإيران.

أما المنظومة الحاكمة في العراق، التي بدأت تعدّل بوصلتها باتجاه النفوذ الأميركي، فهي منقسمة داخليًا وتحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه مما خسرته في مرحلة شعارات "المقاومة والممانعة"، عبر تأجيل التصويت على قانون الحشد الشعبي والمطالبة سرًا ببقاء القوات الأميركية، رغم إعلان الاخيرة الانسحاب في أيلول المقبل. 

وهذا المنظومة لا تملك سوى العزف على الوتر الطائفي والتهويل من الخطر القادم، مدّعية أنهم يستهدفون الشيعة، وملأت حسابات التواصل الاجتماعي ببكائيات على “مظلومية الشيعة” من جديد، وطرحت أسئلة غير بريئة: لماذا تنتقدون السلطة الشيعية والقضاء الشيعي والحكومة الشيعية فقط؟ لماذا لا تنتقدون أحزاب كردستان أو القوى السياسية في المنطقة الغربية؟ كل ذلك بعدما خفت بريق شعار “المقاومة والممانعة” أو بالأحرى انهار.

أما أصوات أخرى، تظن نفسها أكثر ذكاءً من أصحاب الأبواق الطائفية (أو هكذا اتفقوا على تقسيم الأدوار)، فقد أضافت نكهة لا طعم لها ولا رائحة على خطابهم الطائفي، محذّرين من “حزب البعث قادم”ن واياكم من البعثيين..الخ من هذه الترهات.

كل هذا المشهد، الذي يثير السخرية والاستهجان، يكشف عن هشاشة السلطة ومعارضيها معًا، ويؤكد خواءهم الفكري والسياسي، وغياب أي بديل ينسجم مع مصالح الغالبية العظمى من الجماهير، و ينتشلهم من وحل الفساد والفقر والبطالة والعوز وانعدام الآفاق المستقبلية.

وفي النهاية، لا تملك هذه المعارضة أي حظوظ حقيقية في مستقبل العراق، فهي لا تمثل صوت العمال والكادحين الذين يرزحون تحت الفقر والبطالة وانعدام الخدمات، ولا تعكس تطلعات النساء في المساواة ووقف الاغتيالات السياسية والعنف المنفلت ضدهن، ولا تمثل صوت أكثر من 12 مليون عاطل عن العمل، ولا تسعى لإخراج العراق من قبضة إيران وأميركا وتركيا.

أما السلطة القائمة، فهي تدرك هذه الحقيقة، لكنها مرعوبة من انتفاضة جديدة، لأنها تعرف جيدًا أن المعارضة الحقيقية هي تلك الجماهير التي انهالت عليها بالتخوين وإطلاق الشتائم مثل “أبناء السفارات” مثل أيام انتفاضة تشرين/ اكتوبر، في الوقت الذي حيكت فيه كل مسلسلات القتل والاغتيالات بحق الناشطين والفعالين داخل السفارة التي كانت وكرًا للاستخبارات والحرس الثوري الإيراني. ولذلك تلجأ هذه السلطة إلى استخدام هذه الجماعات، أي ذلك النوع من المعارضة الكاريكاتورية، لقمع أي صوت معارض.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطرائف