ما بعد حرب الأربعين يوما ليس كما قبلها

اثنين, 04/20/2026 - 13:34

عادل الجبوري*

  توقفت الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد أربعين يوما من اندلاعها، بفضل تحركات دبلوماسية واسعة النطاق، قادتها باكستان بالدرجة الأساس، دون ان يعني ذلك  انها قد وضعت اوزارها وطويت صفحاتها الى الابد، اذ ان هدنة الأسبوعين، حتى وان تم تمديدها، فإنها اشبه ما تكون بفرصة للمتحاربين لالتقاط الانفاس، وفسح المجال للوسطاء للبحث عن مخارج وحلول واقعية وعملية يتطلع لها الجميع، وان تباينت واختلفت الشروط والمطاليب والاولويات.

   ولعل هدف إيقاف الحرب واحتواء التصعيد، يستبطن بين ثناياه وطياته تساؤلا كبيرا، لابد ان يجيب عليه كل من انخرط او تورط او اثر او تأثر بالحرب وتداعياتها الخطيرة، والتساؤل الكبير، هو هل ان الولايات المتحدة الأميركية، ومعها إسرائيل، نجحتا في تحقيق ولو جزء مما خططا له من وراء شن الحرب على ايران؟، واذا كانتا قد حققتا ذلك، فهل ذلك يتناسب او يرجح على كفة الخسائر والاستحقاقات السياسية والعسكرية والاقتصاية والأمنية، وحتى المعنوية، التي لحقت بهما جراء حرب ربما لم يكن يراد منها ان تطول اكثر من بضعة أيام، لا أربعين يوما؟.

  والتساؤل هنا يتعلق بالولايات المتحدة وإسرائيل، وليس ايران، لانهما من اطلق شرارة الحرب، في ظل حراك دبلوماسي فاعل، بدا للكثيرين فيحينه انه يحمل افاقا جيدة ويؤشر الى انفراجات مهمة.   

    اليوم تتحدث معظم الأوساط السياسية ووسائل الاعلام الأميركية والإسرائيلية، والغربية على وجه العموم، عن انكسارات واخفاقات واضحة  وجلية لواشنطن وتل ابيب، بسبب خطأ الحسابات والتقديرات والركون الى التمنيات اكثر من قراءة الواقع بعمق ودقة وموضوعية.

   قبلت إدارة ترامب الهدنة، بل بتعبير ادق، انها سعت اليها بقوة، حتى تتجنب المأزق الذي حشرت نفسها فيه، او حشرها فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وهذا بحد ذاته إقرار غير صريح بالانكسار والهزيمة، والتي يعززها، عدم تحقق أي من الأهداف التي اعلن عنها كل من ترامب ونتنياهو من وراء الحرب، والمتمثلة بقطع رأس النظام الإيراني وبالتالي اسقاطه تماما، والقضاء على البرنامج النووي الإيراني، والتدمير الكامل للترسانة الصاروخية الإيرانية الضخمة.

  ومن هذه الأهداف انطلقت الحرب، لتصل الى السعي المحموم لاعادة فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحا ومتاحا للجميع قبل الحرب، واستعادة الطيارين الاميركان الذين سقطوا على الأراضي الإيرانية بعد اسقاط طائرتهم المقاتلة (F-15).

   المنطق يقول، ان من يحرز انتصارا حقيقيا في أي حرب او معركة، لايهرول ولايلهث وراء  ايقافها، ولايتوسل للتفاوض وابرام الاتفاقيات، بعد ان ييأس من جدوى التهديدات الفارغة، التي جعلته موضع سخرية وتهكم وازدراء. لو كانت الولايات المتحدة الأميركية قد انتصرت فعلا على  ايران، لكان ألاولى بالاخيرة ان تطلب وتسعى وتتوسل لايقاف الحرب، بإعتبار انها لم تعد تمتلك شيئا، مثلما ادعى ويدعي ترامب، في الوقت الذي كانت صواريخها الباليستية وطائراتها المسيّرة، تواصل القاء حمم نيرانها على تل ابيب ومختلف المدن في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفوق القواعد والمصالح الأميركية في دول الخليج العربية.

   الاعلام الأميركي والإسرائيلي والغربي، يتحدث عن هزائم وانكسارات وخيبات واشنطن وتل ابيب اكثر مما يتحدث الاعلام الإيراني واعلام قوى محور المقاومة، فصحف واسعة الانتشار، مثل "نيويورك تايمز"، و"واشنطن بوست"، و"الغارديان"، و"التايمز"، و"ايديعوت احرونوت"، و"هاارتس"، و"جيروزاليم بوست"، و"اللوموند"، وشبكات تلفزيونية مهمة، مثل (سي.ان.ان)، و(ان.بي.سي)، و(بي.بي.سي)، والقناة الإسرائيلية الثانية عشرة، ووكالات إخبارية مؤثرة، مثل "اكسيوس"، و"فرانس برس"، و"اسوشيتدبرس"، اسهبت كثيرا في تحليل الحرب بكل ابعادها وجوانبها.

   فعلى سبيل المثال لا الحصر، تقول مجلة (اتلانتيك) الأميركية، "دخل دونالد ترامب الحرب بنية تحطيم قوة ايران، لكن بعد انفاق خمسين مليار دولار ما تزال الأخيرة صامدة، ورغم ان ترامب كان يأمل تحديد مستقبل ايران، الا انها قد تحدد مصيره"!.    

   ومضافا الى وسائل الاعلام، نجد ان الشارع الأميركي، بات مستاءا بدرجة كبيرة من سياسات ترامب، لاسيما في ظل تزايد حدة الضغوطات الاقتصادية التي تسببت بها حربه ضد ايران، ناهيك عن الانقسامات السياسية الداخلية، حيث لم تعد الانتقادات اللاذعة الموجهة لترامب، تصدر  من قبل خصومه الديمقراطيين فحسب، بل وحتى من أعضاء حزبه الجمهوري، واصبح الحديث عن احتمال عزله من الرئاسة، متداولا على نطاق واسع داخل أروقة وكواليس الاوساط والمحافل السياسية الأميركية، هذا في الوقت الذي مازال نتيناهو يتهرب من حضور جلسات محاكمته بتهم الفساد وسوء استغلال السلطة، تحت ذريعة الأوضاع والظروف الأمنية الاستثنائية. 

 وليس بعيدا عن ذلك، التصدعات الواضحة في بنية المؤسسة العسكرية الأميركية، التي عكستها حملة الاقالات التي طالت كبار القيادات في ذروة الحرب، ناهيك عن ما كشفه رئيس هيئة الأركان المشتركة المحال على التقاعد راندي جورج بقرار من وزير الدفاع بيت هيغسيث، من حقائق ومعطيات خطيرة عن أوضاع الجيش الأميركي، وحقيقة نتائج الحرب مع ايران.

   قد يكون الامر هينا، لو اقتصرت الانقسامات والتصدعات والتقاطعات على الساحة الداخلية الأميركية، لكن ان تمتد الى ساحات خارجية مؤثرة كحلف الناتو، فهذا يعني ان المأزق الامر بلغ مستويات حرجة للغاية، والا كيف تعلن دول حليفة للولايات المتحدة، ولها وجود مؤثر في الناتو، رفضها القاطع الانخراط في حرب عبثية، لم يتم استشارتها مسبقا بشأنها، وكيف يتجرأ ترامب بوصف حلفائه بـ"الجبناء"، وبوصف الناتو بأنه "نمر من ورق".    

  لاشك ان تداعيات حرب الأربعين يوما لن تقف عند هذه الحدود، فهي ربما تطيح بترامب ونتنياهو، وربما تتسبب في تصدع التحالف والوفاق الوثيق بين الاثنين، ومن المؤكد انها راحت مبكرا ترسم معالم وملامح خرائط جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، تصعد وتحضر فيها قوى دولية وإقليمية بدرجة اكبر، وتتراجع وتنكفأ قوى أخرى.

--------------------------- 

*كاتب وصحافي عراقي 

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف