
محمد جواد الميالي
ذاكرة العراقيين ما زالت مثقلة بحصار لم يكن مجرد قرار دولي، بل عقاباً جماعياً سحق حياة الناس.
سنوات التسعينيات صنعت جيلاً يعرف الجوع كما يعرف اسمه، ويستحضر الفقر كجزء من يومه، بيوتٌ فُككت
قطعة قطعة، شبابيك بيعت، أثاث اختفى، وأطفال تعلّموا مبكراً أن القميص الواحد قد يتقاسمه أكثر من أخ، تلك
التفاصيل تمثل حياة عاشها العراقيون تحت نظام جعل الشعب وقود بقائه، بينما الرئيس غارق في القصور
والحفلات والبذخ، غير معني بما يجري خارج أسوار سلطته.
صورة الأمس تعود اليوم بملامح جديدة، لكنها تحمل الروح ذاتها، خطاب التحدي عاد إلى الواجهة، وعبارة
"فلتخسأ أمريكا" تحولت إلى "لتذهب العقوبات إلى الجحيم"، تتردد وكأنها نكتة سياسية بلا كلفة، المشكلة أن من
يطلق هذه العبارات هم قادة عايشوا الحصار، وعرفوا نتائجه الكارثية، وكان المنتظر منهم أن يكونوا أكثر الناس
خوفاً على البلد، لكن الواقع يكشف العكس، فبعض قادة الإطار التنسيقي يتصرفون بعقلية صدامية، ويقدّمون
الاستعراض السياسي على حساب لقمة المواطن، غير مكترثين بما قد تجرّه هذه اللغة من أزمات مالية واقتصادية
خانقة.
أزمة نوري المالكي تشكّل العقدة الأبرز في هذا المشهد، حيث أن تجربته السابقة ارتبطت بانقسامات حادة،
وتوترات سياسية، وانغلاق في العلاقات الخارجية، بالإضافة إلى رفض المرجعية له، لكن الإصرار على إعادة
تقديمه اليوم لا يحمل معنى الاستقرار، وإنما يبعث برسالة تصعيدية واضحة، مفادها أن الإطار غير معني
بمخاوف الداخل ولا بحساسيات الخارج.
داخل هذا الاستقطاب، يرى المعارضون لتولي المالكي، أن العراق بحاجة إلى مسار ثالث بعيداً عن الثنائيات
القاتلة، إذ تبرز رؤية قوى سياسية، وعلى رأسها تيار الحكمة، الذي يدرك أن الخيارات لا تنحصر فقط في
"التنازل المذل" أو "مواجهة الحصار وتعذيب الناس بالجحيم"، هؤلاء يفهمون أن مصلحة العراق تكمن في
"الحياد الإيجابي"، أي أن نكون دولة تحافظ على توازنها في ظل الصراعات الدولية والإقليمية المحتدمة، بما
يضمن حفظ الأموال والدماء، دون الانزلاق نحو محاور تحرق الأخضر واليابس، ودون الحاجة لتغيير ثوابت
الدولة، بل بتغليب لغة العقل التي تحمي خبز المواطن من نار المغامرات السياسية.
بالإضافة الا أن الوضع الاقتصادي يقف عند حافة مقلقة، فإن أي توتر مع الولايات المتحدة أو الدول الغربية
سينعكس مباشرة على النظام المالي، والاستثمار، وحركة الدولار، وقدرة الدولة على الإنفاق، لأن الاقتصاد
العراقي يعاني أصلاً من هشاشة بنيوية واعتماد شبه مطلق على النفط، ما يجعل أي ضغط خارجي مضاعف
الأثر، والمواطن سيدفع الثمن عبر ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الخدمات الأساسية، دون
وجود شبكة أمان حقيقية.
كل هذا يشير إلى أن حكومة تُبنى على هذا الأساس ستكون قصيرة العمر، الضغوط الخارجية، والاختناق المالي،
وغياب الغطاء الشعبي ستجعل استمرارها أمراً بالغ الصعوبة، سقف السنة الواحدة يبدو تقديراً واقعياً، قبل الدخول
في مرحلة شلل سياسي أو انفجار اجتماعي جديد، الشارع العراقي لم يعد ذلك الشارع الصامت الذي عرف
الحصار، والاحتجاج بات أداة حاضرة في مواجهة أي تهديد للمعيشة.
الخطاب المسؤول اليوم يمثل ضرورة سياسية وأخلاقية، العراق لا يحتمل إعادة تدوير الأزمات، ولا يملك قدرة
على خوض صراعات مجانية باسم التحدي، بعض قادة الإطار التنسيقي، ومعه نوري المالكي، يقودان البلاد نحو
أزمة مالية وسياسية واضحة المعالم، فيما الشعب يُدفع مرة أخرى إلى واجهة الخطر، التاريخ القريب حاضر
بقسوته، والنتائج معروفة مسبقاً، والمسؤولية هذه المرة أكثر وضوحاً وأقل قابلية للإنكار.. والأولى أن يذهب القادة
إلى الجحيم، فالشعب لم يعد يحتمل الجوع.















