حيث يصمت السؤال

سبت, 02/07/2026 - 11:06

 

محمود الجاف

كثيرٌ من الأسئلة لا تُرهق الإنسان لأنها بلا جواب، بل لأنها وُجِّهت بعيدًا عن أصلها . فالوجود لا يهمس بالصدفة، ولا يتحرّك بالعشوائية ؛ في دوران الكواكب، في انتظام النجوم، في صمت الشمس وهي تؤدي دورها كل صباح، نظامٌ يشبه العقل . بل يشبه القصد. العين تُبصر هذا الكون، لكنها لا تمنحه معنى . إنما العقل هو من يقرأ ما تراه العين، فيفهم النظام، ويستدل على القصد؛ فليس كل من نظر رأى، ولا كل من أبصر أدرك، إذ إن الرؤية الحقيقية تبدأ حين يعمل العقل. العلم يمضي بنا خطوةً بعد أخرى، يشرح الكيف، ويقيس الظواهر، ويكشف القوانين لكنّه، كلما اتّسعت معرفته، بلغ تخوم سؤالٍ لا يستطيع تجاوزه :

 

من الذي سنَّ هذه القوانين؟

 

ومن الذي منح الوجود منطقه الخفيّ؟

 

عندما تتراكم الأسئلة في عقل الإنسان، ويتّسع الفراغ في داخله، لا يظهر الجواب كفكرة  مجرّدة، بل كطمأنينة. كإسمٍ يستقر في القلب قبل أن يُنطق على اللسان:

 

الله.

 

ليست هذه الكلمة سدًّا في وجه التفكير، بل أفقه الأخير. فالله ليس بديلًا عن العقل، بل غايته؛ ليس تفسيرًا جزئيًا، بل المعنى الذي يجعل التفسير ممكنًا، والوجود مفهومًا.

 

أن تقول: الله خلق، يعني أن للوجود بداية.

 

وأن تقول: الله نظّم، يعني أن النظام ليس مصادفة.

 

وأن تقول: الله حكيم، يعني أن الغموض ليس عبثًا.

 

وأن تقول: الله عليم، يعني أن ما تجهله ليس فوضى، بل اتساعًا لم تُدرك حدوده بعد. ولعل اليقين لا يولد من الجدل الطويل، بل من لحظة صدق نادرة، حين يعترف الإنسان أن عقله مهما ارتقى، وقلبه مهما تاه، لا يجد سكينته إلا في معنى أكبر  منه . كل سؤال أرهق الإنسان عبر التاريخ، حين يعود إلى جذره، يلتقي بجواب واحد؛ ليس لأن المعرفة انتهت، بل لأنها بلغت منتهاها. هنا، لا يكون الإيمان خصمًا للعقل، بل راحته. ولا يعود السؤال قلقًا، بل بصيرة. وتتحوّل الرحلة الطويلة إلى همسٍ هادئ يقول :

 

بحثت . فعرفت . فاطمأننت . فوجدتُ الله.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف