
سمير عادل
ما سُمّي بـ«الربيع العربي»، أو ربيع الإسلام السياسي، أو –وبأدقّ تعبير– الفوضى العربية، تحاول نفس القوى التي صاغت تلك المقولات لتطابق مع اجنداتها أن تعيد إنتاجه من جديد في المنطقة، وهذه المرّة في إيران، ولكن بنسخة أشدّ ظلامية وقتامة، وأكثر وحشية مما جرى في سوريا وليبيا واليمن.
الاحتجاجات التي خرجت في إيران، كما خرجت سابقاً عام 2011 في مصر وتونس وليبيا واليمن وسورية، كانت من أجل الحرية والكرامة الإنسانية، وإنهاء الفقر، وتحقيق المساواة. غير أنّ الدوائر الإمبريالية العالمية والقوى التي تدور في فلكها في المنطقة تآمرت –مع سبق الإصرار والترصّد بكل ما تعنيه هذه الكلمات– على المطالب العادلة للطبقة العاملة والجماهير المحرومة، لتغيير بوصلتها و تحريفها عن مسارها الأصلي من اجل سيادة سلطتها والاحتفاظ بامتيازاتها واستمرار ارباحها، و مقايضتها في نهاية المطاف بالبقاء على قيد الحياة شرط العيش تحت خيمة الفقر والقمع وانعدام الحريات، والا تطلق يد الجماعات الإسلامية الارهابية، ويطبق بحقها نظرية (الفوضى الخلاقة) التي جاءت بها وزيرة الخارجية الامريكية كوندليزا رايس في إدارة أوباما من مختبرات مراكز دراسات الطبقة الحاكمة الأمريكية.
اليوم، يتكرر هذا المشهد في إيران من جديد. الإضرابات العمالية والاحتجاجات الطلابية والجماهيرية انطلقت من أجل تحسين المستوى المعيشي، وإطلاق الحريات، وإنهاء الاستبداد. بيد أنّ الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، اللتين كانتا تتحيّنان الفرصة، دخلتا على الخط كما فعلت مع حلفائها الغربيين في احتجاجات الجماهير السورية ضد النظام القمعي في دمشق، وفي ليبيا ضد نظام معمر القذافي وضد نظام علي صالح في اليمن، الذي لم يكونا أقلّ استبداداً واجراما. وكانت النتيجة فوضى شاملة، وحرباً أهلية، وقتلاً ودماراً، وتراجعاً في المدنية، وظهور جماعات إرهابية غير مسبوقة في العصر الحديث، مثل داعش والنصرة وعشرات العصابات الإسلامية الإجرامية من كل حدب وصوب.
وبفضل سياسات الإدارة الأميركية في عهد أوباما التي سوّقت لجماعة الإخوان المسلمين وما تفرّخ عنها العصابات المذكورة، وهي التي انفقت فقط على انتخابات محمد مرسي مرشح الاخوان المسلمين للرئاسة في مصر ٣٠٠ مليون دولار، لتكون رقماً في المعادلة السياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعيد تموضع السياسات الامريكية في المنطقة، نجد اليوم مفارقة ساخرة؛ إذ إنّ الولايات المتحدة نفسها تصنّف هذه الجماعات إرهابية، بعد أن انتفت الحاجة إليها.
كل ما يدور حول المشهد السياسي الإيراني يبعث على السخرية والاستهجان والغضب، ويدفع إلى استحضار كل ما هو مؤلم في الذاكرة الإنسانية، لا سيما في الشرق الأوسط.
دولة الاحتلال الإسرائيلية، التي قتلت أكثر من ستين ألف إنسان في غزة، وأكثر من 40٪ منهم من النساء والأطفال، تتوعّد جماهير إيران بالحرية عبر أدواتها المسماة «المعارضة الإيرانية»، مثل مجاهدي خلق، والأحزاب القومية الكردية، ومريدي الملكية، أو جماعة نجل الشاه المخلوع وثلة ممن يصنفون أنفسهم باليسار ضاعت بوصلتهم. والإدارة الأميركية، التي أعلن رئيسها دونالد ترامب بأعلى صوته أنّ الأولوية هي للاقتصاد والمصالح، وأن «أميركا أولاً» ولا تعنيها الحريات وحقوق الإنسان، وهي نفسها التي فرضت عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، وانسحبت من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وطردت عشرات الطلبة الأجانب من جامعاتها بسبب إدانتهم جرائم إسرائيل في غزة، تعود اليوم للحديث عن «خطوط حمراء» وضرورة وقف قتل المتظاهرين في إيران.
هذه المعارضة أي الايرانية تذكّرنا بالمعارضة العراقية التي تسيطر اليوم على السلطة في العراق؛ فهي التي سوّقت للحرب وغزو العراق، وهي اليوم مرعوبة ومنقسمة على نفسها، بين الخوف من أن تطيح العاصفة الأميركية–الإسرائيلية برؤوسها وخسارة امتيازاتها ونفوذها، وبين الولاء الأيديولوجي والإخلاص لولاية الفقيه. إنها السخرية بعينها.
وعلى لسان مسؤولين إسرائيليين، ومن خلال تسريبات إعلامية لمسؤولين سابقين في الإدارة الأميركية، كان آخرهم المقابلة التلفزيونية مع دوغلاس ماكغريغور، العقيد والمستشار السابق لوزارة الدفاع الأميركية، تحدث عن إرسال وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية نحو 400 شخص ممن يصنفهم بالأكراد إلى إيران للمشاركة في أعمال عنف ضد النظام. وقد اعترف مسؤولون في النظام الإيراني بمحاولات عبور لما سموهم «انفصاليين أكراد» حدود كردستان العراق. كما يكشف حجم القتل في صفوف الحرس الثوري والأمن والشرطة وقوات البسيج عن السيناريو الذي أعدّته إسرائيل وأميركا، مع اعتراف إسرائيلي بتدخل الموساد بدعم هذه المعارضة المزعومة.
إيران اليوم أمام سيناريوهين، أو ربما الدمج بينهما من الخبرة التي اكتسبتها في الفوضى العربية: السيناريو السوري، حين جرى عسكرة الاحتجاجات عبر إرسال جماعات إرهابية وتشكيل ما سُمّي بالجيش السوري الحر، ثم بقية العصابات؛ والسيناريو الليبي، حين اصطفت البوارج الحربية لحلف الناتو قبالة السواحل الليبية، وانهالت بصواريخ كروز وطائراتها «لنصرة الشعب الليبي»، بينما روّج الإعلام الغربي لما جرى على يد نظام القذافي بوصفه مجازر وحشية بحق الجماهير.
بين هذين السيناريوهين الذي من الممكن أن يكونوا واحد، تعيش جماهير إيران حالة ترقّب وخوف، لتتحول في النهاية إلى فريسة بين مطرقة نظام وحشي وقروسطي –هو الجمهورية الإسلامية– وسندان عصابات الموساد و«بورصة» الحرية الترامبية.
ولا تقف القضية عند هذا الحدّ، فالساحة الإيرانية، في حال نجاح السيناريو الذي تُعِدّه إدارة ترامب وحكومة نتنياهو، بمشاركة الحكومات الأوروبية ذات الدور الهامشي، ستتحول إلى ساحة صراع جيوسياسي، ولا سيما أن إيران تمثّل حلقة استراتيجية في المشروع الصيني «الحزام والطريق»، وحليفاً استراتيجياً لروسيا في الشرق الأوسط.
ونضيف ان إيران ليست فنزويلا، كي يُختطف المرشد الايراني وتنتهي القصة، حتى وإن لم تنتهِ فصولها الى الان في فنزويلا نفسها. ففي إيران رؤوس متعددة، ومراكز قوى متشابكة ومتماسكة، لا تزال حتى الآن منسجمة، وإسرائيل تدرك ذلك، لكنها ترى في إسقاط النظام فرصة مهما كان الثمن. وهي تصطف اليوم مع قسد في سوريا، ومع الدروز، لتقليص النفوذ التركي، رغم الاتفاقات الأمنية القائمة. كما تعلم أنّ حلفاء إيران في المنطقة لن تكسر شوكتهم ما دامت الجمهورية الإسلامية قائمة.
دول المنطقة ليست بمنأى عن هذه الفوضى، وليس من مصلحتها تكرار سيناريو الغزو والاحتلال كما حدث في العراق، ولا قيام شرق أوسط جديد تكون إسرائيل اللاعب الرئيسي فيه، تعيد ترتيب أوراق المنطقة وفق منطق بلطجتها العسكرية والأمنية. وعليه تدرك دول المنطقة خطورة هذا السيناريو. لذلك أبلغت السعودية ايران انها لن تسمح باستخدام اجوائها واراضيها بالهجوم على ايران.
وكما أشرنا سابقاً، فإن نمو تيار داخل الطبقة الحاكمة الأمريكية يرى أن إسقاط النظام في إيران أقل كلفة من عقد اتفاقات معه، بدأ يلقي بظلاله على الإدارة الأميركية ويلتقي مع استراتيجية النازيين في اسرائيل. وما حدث في فنزويلا شجّع هذا التوجه، في ظل عدم تحرك روسيا والصين.
سيناريو مظلم ينتظر المنطقة. ومن الحماقة، تحت عنوان معاداة النظام الإسلامي، القبول بفوضى أمنية وسياسية في إيران. فقد جرّبنا جميعاً ما حدث في العراق إبّان الغزو والاحتلال، وعايشت جماهير المنطقة ما جرى في اليمن وليبيا وسوريا.
وأخيرا من الوهم الاعتقاد بأن التدخل الأميركي–الإسرائيلي سينتج جنة من الحرية والأمان والرفاه. والمصيبة الكبرى أنّه إذا انتصر النظام الإسلامي، ستُدفع الاحتجاجات الجماهيرية إلى الوراء، وستنطلق حملة إعدامات واسعة، ويتصاعد قمع الحريات والمطالب العادلة. أمّا إذا فشل، فستواجه جماهير إيران المصير نفسه الذي واجهته جماهير المنطقة العربية: فوضى أمنية وسياسية ومعيشية.















