خلف حدود الخوف

سبت, 10/10/2026 - 13:40

 

نازنين الجاف

 

 

للمرة الأولى، قررت أن أخرج من القوقعة التي صنعتها من مخاوفي ، وأن أسافر بعيدًا، لا لأكتشف المجهول فحسب، بل لأكتشف نفسي بعيدًا عن كل ما اعتدت عليه. وفي المطار، كان الخوف يرافقني كظلي، لأنني كنت أقف بين حشد من المسافرين؛ أناس يركضون للحاق بطائراتهم، وأطفال يبكون، وآخرون يلعبون، والمحلات تتلألأ أضواؤها. كنت أراقب كل شيء، بينما كانت الأسئلة لا تتوقف في داخلي :

 

هل سأتمكن من الوصول؟ أم سأظل طريقي؟

 

وبعد أن استطعت أن أجد بوابة المغادرة، أحسست وكأنني اجتزت امتحاني الأول في مواجهة المجهول. وعندما وصلت إلى وجهتي، تسلل الخوف إلى قلبي مرة أخرى، حتى وجدت طريق الخروج واستقللت سيارة الأجرة المتجهة إلى الفندق. وحين وصلت، واستلمت مفتاح غرفتي، وأغلقت الباب خلفي، وجدت نفسي أمام لحظة صمت تلاشت فيها كل هذه المشاعر. عندها ، قررت أن أواصل هذه التجربة مرة أخرى، وأسافر وحدي، لا هربًا من خوفي، بل لأتعلم كيف أواجهه .

 

ثم، ذهبت إلى الشاطئ بعد استراحتي من تعب السفر. مددت قدميّ في الماء البارد، ورفعت عينيّ إلى السماء الصافية.

 

كان المشهد أمامي كالمسرحية؛ البحر خشبتها، والسماء سقفها، والناس شخصيات تؤدي أدوارها دون أن تدري أنني الجمهور الذي يشاهد. كانت هناك عائلات تتنزه، وأطفال يركضون ويلعبون، وضحكات تتلاشى مع صوت الأمواج. ثم رأيت رجلًا كان يعلّم زوجته السباحة. كان يشجعها ويوجهها حتى استطاعت أن تسبح وحدها. وتأملت المشهد طويلًا، وفكرت أن بعض المخاوف لا تزول بالأوامر، بل تحتاج إلى وجود من يمنحنا الثقة حتى نكتشف قدرتنا على الوقوف بمفردنا.

 

كانت الأمواج تقترب مني تارةً، فتلامس قدميّ، ثم تدفعني تارةً أخرى، وأنا أراقب البحر والسماء حتى الغروب. وأخذ الضوء يتغير شيئًا فشيئًا، وفي تلك اللحظة شعرت أنني لا أشاهد غروب الشمس وحده، بل أشاهد شيئًا من خوفي القديم وهو يتراجع في داخلي. قضيت أسعد أسبوع في حياتي، فقد اكتشفت في أعماقي أنني كنت قادرة على أشياء كثيرة، لكنني لم أمنح نفسي فرصة تجربتها.

 

عدت من رحلتي وأنا أحمل معي أكثر من مجرد ذكريات وصور؛ عدت وأنا شخص آخر. لأنني أدركت أن القوقعة التي نحتمي بها قد تتحول، مع مرور الوقت، إلى سجن نختاره لأنفسنا.

 

وفي النهاية، أدركت أنني لم أسافر لأكتشف العالم وحده، بل لأكتشف أن هناك حياة أوسع وأجمل مما كنت أتصور، تنتظرني حين أتحرر من مخاوفي.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف