
في أوقات الأزمات، لا تُختبر قوة المجتمعات بما تمتلكه من موارد فحسب، بل تُختبر أيضا بقدرتها على فهم الإنسان للإنسان، فالحروب لا تهدم المباني وحدها وإنما قد تهدم جسور الثقة وتضعف القدرة على التعاطف وتعمّق الفجوات النفسية بين أفراد المجتمع ومن هنا تبرز أهمية الذكاء العاطفي بوصفه إحدى أهم المهارات الإنسانية التي يحتاجها الأفراد والمجتمعات في مراحل التعافي وإعادة البناء.
يعرف الذكاء العاطفي بأنه القدرة على إدراك المشاعر وفهمها وإدارة الانفعالات بصورة صحية والتعامل مع مشاعر الآخرين بوعي وتعاطف، بما يسهم في بناء علاقات إنسانية أكثر استقرارا وفاعلية وهو يختلف عن الذكاء العقلي (IQ)، الذي يقيس القدرات المعرفية والمنطقية، إذ إن الذكاء العاطفي يركز على كيفية توظيف هذه القدرات في الحياة اليومية وفي إدارة العلاقات واتخاذ القرارات والتعامل مع الضغوط.
لقد أثبتت الأدبيات النفسية أن النجاح في الحياة لا يعتمد على الذكاء العقلي وحده، بل يتأثر أيضا بمهارات التواصل وضبط الانفعالات والتعاطف والقدرة على حل النزاعات، فقد يمتلك الإنسان مستوى مرتفعا من الذكاء الأكاديمي، لكنه يعجز عن إدارة خلاف بسيط داخل أسرته أو بيئة عمله بسبب ضعف مهاراته العاطفية.
وفي العقود الماضية، كانت كثير من المؤسسات تركز بصورة أساسية على المؤهلات العلمية والقدرات المعرفية عند اختيار موظفيها، أما اليوم فقد أصبحت الكفاءة في القيادة والعمل الجماعي والتواصل الفعال والذكاء العاطفي من المعايير الأساسية في اختيار القيادات، لأن نجاح المؤسسات لا يعتمد على المعرفة وحدها، بل على جودة العلاقات الإنسانية داخلها.
وعند إسقاط هذا المفهوم على الواقع السوداني، تبدو الحاجة إلى الذكاء العاطفي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، فقد خلفت الحرب آثارا نفسية واجتماعية عميقة وأوجدت مشاعر متراكمة من الخوف والفقد والغضب والقلق والنزوح وهي جميعها تؤثر في طريقة تفاعل الأفراد مع بعضهم البعض.
ولعل من أبرز مظاهر ضعف الذكاء العاطفي في مثل هذه الظروف التسرع في إصدار الأحكام وعدم القدرة على الإنصات وتفسير الاختلاف بوصفه تهديدا وتحول الحوار إلى صراع والاختلاف إلى خصومة وعندما يغيب التعاطف، يصبح من الصعب إدراك أن لكل إنسان تجربة مختلفة وأن وراء كثير من المواقف ألما لا يظهر للعيان.
كما ينعكس ضعف الذكاء العاطفي على العلاقات الأسرية، فكثير من الخلافات الزوجية لا تنشأ بسبب المشكلات الاقتصادية أو الاجتماعية وحدها وإنما تتفاقم نتيجة ضعف مهارات التواصل وسوء فهم الاحتياجات النفسية والعجز عن التعبير عن المشاعر أو احتواء الطرف الآخر وتشير دراسات علم النفس الأسري إلى أن جودة التواصل والتعاطف المتبادل من أهم العوامل المرتبطة بالاستقرار الزواجي.
إن الخبر السار هو أن الذكاء العاطفي ليس سمة فطرية ثابتة، بل مهارة يمكن تعلمها وتنميتها بالممارسة والتدريب ويبدأ ذلك بتعزيز الوعي بالذات وإدارة الانفعالات وتنمية مهارات الاستماع واحترام الاختلاف والتدرب على رؤية المواقف من منظور الآخرين وهي مهارات يمكن أن تُدرَّس في الأسرة والمدرسة ومؤسسات العمل وأن تصبح جزءا من الثقافة المجتمعية.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة إعمار البنية التحتية فحسب، بل يحتاج أيضا إلى إعادة إعمار الإنسان، فالتعافي الحقيقي يبدأ عندما نستعيد قدرتنا على الإصغاء والتعاطف والحوار وقبول الاختلاف، لأن المجتمعات لا تنهض بالعقول وحدها وإنما تنهض أيضا بالقلوب التي تعرف كيف تفهم بعضها بعضا.
وفي الختام، يردد السودانيون مثلا شعبيا يقول: "القلم ما بزيل بَلَم" وهو مثل يذكرنا بأن الكلمات وحدها لا تكفي لتغيير العقول إذا غاب الاستعداد للتعلم والتغيير، غير أن الوعي الصادق والتربية السليمة والممارسة المستمرة، قادرة على أن تحدث تحولا حقيقيا في طريقة تفكير الإنسان وتعاطيه مع الآخرين.
فالذكاء العاطفي ليس رفاهية فكرية ولا مهارة تكميلية، بل هو ضرورة إنسانية ومجتمعية وإذا أردنا أن نبني مستقبلا أكثر استقرارا، فعلينا أن نعيد بناء الإنسان أولا، لأن الأوطان لا تنهار حين تهدم مبانيها وإنما حين يفقد الإنسان قدرته على فهم الإنسان.
بقلم: خالد رغدان أخصائي نفسي
مختص في علاج الإدمان السلاح الطبي – قسم علاج الإدمان















