
فائزة الفدعم
في بعض الأحيان تبقى ذكريات الطفولة عالقة في الأذهان، تعود إلينا بين الحين والآخر وكأنها حدثت بالأمس.
أثناء ذهابي إلى أربيل للعلاج، كانت ابنتي تأخذني بعد كل مراجعة للطبيب في جولة بين شوارع المدينة وأحيائها. وفي إحدى تلك الجولات، استوقفني منظر بيوت اليهود القديمة القريبة من قلعة أربيل، وهي خاوية على عروشها، لا تزال أقفالها تغلق أبوابها منذ زمن بعيد . أعادني ذلك المشهد إلى طفولتي، تلك الطفولة التي ما زالت ذكرياتها حاضرة رغم تقدّم العمر، والحمد لله.
كانت بيوت اليهود في ذلك الزمن جميلة ونظيفة، دقيقة البناء، مرتبة بشكل يبعث على الراحة. فعاد بي الخيال إلى بيت الخالة أم إسحاق. كنت يومها في السابعة من عمري، حين أخذتني والدتي لزيارتها . كان بيتها يقع بين بيت الخالة نعيمة زوجة السيد كاظم الدروش، وبيت السيد صادق أبو جلود. وفي الطريق إلى دارها رأيت صبيًا يحمل “مغيزل الدادة” بيده، فأعجبني شكله كثيرًا، فتعلقت به وأخذت أبكي طالبة من أمي أن تشتري لي واحدًا. فطلبت والدتي من الصبي أن يبيعه لي بعانة، ففرح بالنقود، وأسرع إلى الدكان ليشتري ما يشاء، بينما بقي المغيزل في يدي.
وصلنا إلى بيت أم إسحاق، وكان باب الدار ضيقًا، لكن ما إن نعبر الممر حتى تنفتح أمامنا دار واسعة تشرح الصدر، تتوسطها باحة جميلة تملؤها أزهار التوليب الصفراء والحمراء والمرقطة، كأنها تحكي عن جمال المكان وهدوئه. وعندما دخلنا، وجدنا أم شاؤول تمسك بقطعة صفراء صغيرة تشبه الذهب، كانت تنظف بها “الكاشي” ليزداد لمعانًا. وما إن رأتنا حتى تركت ما بيدها، واستقبلتنا بحرارة، وقبلتنا ورحبت بنا. جلست والدتي وإياها على حصيرة من الخيزران فوقها “مندل” من القطن، وبعد أن تناولت نصيبي من “النوكة”، بدأت والدتي تتحدث بصوت منخفض :
"يا أم إسحاق، كما تعلمين، فإن أبو فائزة ورث أرضًا عن أهله إلى جانب خريسان، وقد بدأ ببناء البيوت دفعة واحدة، لكنه اضطر إلى التوقف بسبب قلة المال، وهو ينتظر استلام إيجارات العلاوي في الشهر القادم ليكمل البناء."
ابتسمت أم روبيل وقالت:
"أنتِ تعلمين أنني، عند ولادة ابنتي وولديّ، اشتريت لكل واحد منهم حصالة خشبية صغيرة، وكنا نضع فيها ما قسمه الله لهم من مال، على أن تُفتح عند زواجهم." ثم أحضرت الحصالات الثلاث، وكسرتها واحدة بعد أخرى، وأخرجت ما فيها من نقود، وعدّتها وسلمتها إلى والدتي.
تأثرت والدتي كثيرًا وشكرتها، ثم قالت: "بعد شهر سأعيد لك المال."
فضحكت أم روبيل وقالت عبارتها التي لا أنساها: "كلج فلوس."
كان ذلك موقفًا نبيلًا بقي راسخًا في ذاكرتي لأكثر من خمسة وسبعين عامًا. وضعت والدتي النقود في صرة من قماش أبيض، وعدنا إلى البيت ونحن نحمل معنا معنى الجيرة الحقيقية والتكافل الصادق. وعندما عاد والدي ظهرًا ورأى النقود، تفاجأ وسأل عن قصتها. وحين أخبرته والدتي بما فعلته أم روبيل، قال:
"إن هذا الموقف النبيل لا يمكن أن يُنسى أبدًا."
ثم وقع نظره على المغيزل الذي كنت لا أزال أحمله بيدي، فابتسم وقال:
"اتركيه يذهب ليعود إلى عائلته وأطفاله."
فتركته كما طلب، لكنه لم يعد إلى يومنا هذا، وما زلت أنتظر عودته منذ ذلك الزمن البعيد.
رحم الله تلك الأيام وأهلها، أيام كان الجار فيها سندًا لجاره، وكانت المحبة أغلى من المال، والوفاء أصدق من الكلمات.














